الجصاص

21

الفصول في الأصول

أو يقول : إن تلك الشرائع لم تلزم الناس كافة على التأبيد ، وإنما لزمتنا لأن الله تعالى جعل ما لم ينسخ من تلك الشرائع شريعة لنبينا عليه السلام ، وإنما يلزمنا اتباعها والعمل بها من حيث صارت شريعة النبي عليه السلام ، لا من حيث كانت شريعة للأنبياء الماضين عليهم السلام . أو يقول قائل : ليس شئ من شرائع الأنبياء المتقدمين ثابتة ، لا من جهة بقاء هذا ، إذا لم يرد نسخها على ما قال من حكينا قوله بدء ولا من جهة : أنها صارت شريعة لنبينا وأنه لا يلزمنا منها شئ ، وإن حكى الله تعالى في كتابه : أنه شرعها لمن كان قبلنا حتى يأمرنا الله تعالى بها أو النبي عليه السلام شريعة لنا . فأما القول الأول : فإنه بعيد ، من قبل أن هذا لو كان هكذا ، لوجب أن يكون أولئك مبعوثين إلينا ، وأن تكون تلك الأوامر أوامر لنا ، وقد علمنا : أن ذلك ليس كذلك ، لأن النبي عليه السلام قال ( خصصت بخمس لم يعطهن أحد قبلي ، منها : أني بعثت إلى الأحمر والأسود ، وكل نبي فإنما كان يبعث إلى قومه ) ( 1 ) ولأن ذلك لو كان كذلك لوجب علينا طلب شرائع الأنبياء عليهم السلام ونتبعها ، ولدعا النبي عليه السلام الناس إليها دعاء عاما ، كدعائه عليه السلام إلى اتباع شريعته ، ولو كان كذلك لنقلت الأمة ذلك نقلا عاما ، ولوجب على النبي عليه السلام تعليمها الصحابة وتبليغها إياهم ، ولو كان كذلك لنقلوها